مؤونة رمضان ج 2 حكـايات مني السيد

اللي في الصالة، وضغطت على زرار التشغيل. التليفزيون كان متوصل بواي فاي البيت، وشاشة الموبايل اتنقلت عليه مباشرة.
الصوت طلع عالي وواضح، يملى الشقة اسمع بس وفكر بعقلك.. إحنا السنة دي بنعمل ال 300 برطمان دول بالعافية أهو، وهنسلمهم للناس باسمي وباسمك… والسنة الجاية إنت هتاخد منها كارت الفيزا وباسورد حساب البنك اللي أبوها كتبه باسمها قبل ما يموت، ونسحب منه تمن الخامات كلها مقدماً… ونشغل وسام تحت إيديهم بالسخرة، ونقولها ده مشروع العيلة الكبير.. والمكسب نشتريلك بيه المحل في التجمع!
صوت مازن في التليفزيون وهو بيضحك بشر والله فكرة يا ماما.. وسام بتخاف على زعلنا وهتتكسف تقول لأ.. بس نعدي السنة دي الأول.
الصالة بقت تلاجة. محروس بتاع التروسيكل اللي كان واقف على الباب بلع ريقه، وبص للحاجة وفاء بقرف، ورجع خطوتين لورا وقال أستأذن أنا بقى يا حاجة وفاء.. شكلها بيعة مش سالكة، ولف وشه ونزل ع السلم يجري.
الحاجة وفاء كانت واقفة، بوقها مفتوح، عينيها مبرقة في الشاشة، وشها بيجيب ألوان أحمر في أزرق في أصفر، كأنها جالها شلل نصفي مفاجئ. بصت لابنها، ومازن بص في الأرض وبقى بيعرق بطريقة مرعبة، مش قادر يرفع عينه في عين أمه ولا في عيني.
طفيت الشاشة بهدوء، وحطيت الريموت على الترابيزة.
ها يا ست الكل؟ مين بقى اللي هيتفضح؟ ومين اللي سيرتها هتبقى على كل لسان لما الفيديو ده ينزل في جروب النادي، وجروب الجمعية الخيرية اللي انتي واخده منها دعم عشان الأرامل والمطلقات وبتشغلي مرات ابنك سخرة وتخططي لسرقتها؟ ومين اللي هيروح في داهية بتهمة النصب والاتفاق الجنائي لما يروح بلاغ رسمي للنيابة الصبح؟
الحاجة وفاء قعدت على أقرب كرسي ورجليها مش شايلاها، وحطت إيدها على قلبها يا وسام.. يا بنتي.. ده.. ده كان كلام في ساعة غضب وتعب، إحنا كنا بنفضفض، مازن مكنش يقصد، وأنا كنت بهزر معاه عشان أشجعه يشتغل!
بتهزري في شقى أبويا اللي مات في المصانع يا وفاء؟! صوتي طلع حاد وقاطع كالسيف، ولأول مرة أناديها باسمها حاف من غير ألقاب، بتهزري في كرامتي وشقايا وتستغفليني في بيتي وتقوليلي الأصول وعوايد العيلة عشان تكسروا مناخيري وتسرقوني عيني عينك؟!
مازن قرب مني وهو بيبكي بدموع حقيقية، المرة دي من الرعب والخوف من الفضيحة والسجن وسام.. وحياة أغلى حاجة عندك، اسمعيني بس.. أنا كنت غبي، أمي هي اللي سخنتني وأنا كنت تعبان ومشتت، والله العظيم ما كنت هعمل كده، إنتي مراتي وحبيبتي وشريكة حياتي!
زقيته بعيد عني بقرف حقيقي، حسيت إني شامة فيه ريحة العفن مراتك وحبيبتك اللي كنت مستني موسم رمضان الجاي عشان تنصب عليها وتاخد شقا أبوها وتوقف نسوان عيلتك يعلموا عليها في بيتها؟! اسمع يا مازن.. اسمعي يا حاجة وفاء.. عشان الكلام ده ملوش إعادة، ومفيهوش فصال.
وقفت في نص الصالة، طلعت كارتين حطيتهم على الترابيزة الكراتين كلها موجودة في مخزن أمان. تمن البضاعة اللي اشتريتوها من سوق العبور، أنا خصمت منه تمن الأيام السودة وتعب الأعصاب والإهانة، والباقي بعته على حسابك يا مازن عشان تسد بيه عجزك قدام الجمعية وقدام الناس اللي واخد منهم عربونات.. يعني مالكمش عندي مليم واحد يمسكوا بيه عليا خيانة أمانة.
مازن بص للكارت ورجع بصلي برعب طب.. والطلاق؟ إنتي هتعملي إيه؟
الطلاق ده أمر مفروغ منه، بس بشروطي أنا.. نصيبك في الشقة دي هتعملي بيه تنازل رسمي بكرة الصبح في الشهر العقاري، قصاد إني أمسح الفيديو ده من على النت وموصلوش لمدام سوسن ولا لإدارتك في الشركة اللي إنت شغال فيها.. تديني الشقة كاملة وتطلع بهدومك، وتطلقني بهدوء وبكامل حقوقي الشرعية في المؤخر والنفقة، يا إما عليا وعلى أعدائي الفيديو هينزل لايف، وبلاغ النصب هيتقدم، والشركة بتاعتك أول حد هيشوف أمانة المهندس المحترم اللي شغال عندهم وبيخطط يسرق مراته!
الحاجة وفاء صرخت الشقة؟! ده دافع فيها دم قلبه وقرض بياكل في مرتبه!
رديت عليها بنظرة خلتها تكش في مكانها ودم قلبك انتي وابنك رخيص قصاد كرامتي وشقى أبويا.. قدامكم لحد بكرة الساعة اتناشر الظهر. لو ورقة التنازل وإشهار الطلاق مكنوش على الترابيزة دي، هتلاقوا الفضايح في كل تليفون في مصر، والنيابة هي اللي هتحكم بينا على ال 300 برطمان اللي بعتوهم من الهوا، وال 1000 برطمان اللي كنتوا بتخططولهم السنة الجاية!
شاورت على باب الشقة المفتوح ودلوقتي.. اتفضلوا برة بيتي. مش عايزة أشوف وش حد فيكم هنا لحد بكرة في الشهر العقاري.
الحاجة وفاء قامت تجر في عبايتها وعينيها مكسورة في الأرض، مفيهاش ذرة من جبروت امبارح ولا نبرة ستات عيلتنا وعوايدنا. ومازن مشي وراها مطأطأ الراس، كأنه عيل صغير اتقفش بيسرق من حصالة أمه، ومقدرش حتى ينطق بكلمة واحدة يدافع بيها عن نفسه.
أول ما الباب اتقفل وراهم بالمفتاح، سندت ضهري على الباب.. وغمضت عيني.
حسيت بحمل جبل كامل انزاح من على صدري.
تاني يوم، الساعة حداشر ونص الصبح، كنت خارجة من مصلحة الشهر العقاري في أكتوبر، وفي إيدي توكيل التنازل الرسمي عن كامل الشقة، وورقة طلاقي موقعة ومختومة بختم النسر وموثقة عند المأذون. مازن كان واقف بعيد على الرصيف، شاحب ومكسور ومتبهدل، مش قادر يبص في عيني، وأمه كانت قاعدة في تاكسي مستنياه
وهي حاطة وشها في الإسدال عشان محدش يعرفها.
ركبت عربيتي، وشغلت التكييف، واتصلت بنهى خلصت يا نهى.. الشقة بقت ملكي خالص، والورق كله تمام.
نهى ضحكت في التليفون بفرحة هزت السماعة الله أكبر عليكي يا بنت الأصول! ده المعلم محروس والناس في المعرض قالبين الدنيا على وفاء وابنها عشان رجعوا الفلوس مخصوم منها ومكسورين العين.. المهم، ال 270 برطمان اللي في المخزن هنعمل فيهم إيه؟
بصيت للسما الصافية، وافتكرت إن رمضان خلاص على الأبواب، ومفاضلش غير أسبوعين والشهر الفضيل يهل بخيره البرطمانات دي يا نهى هتتغلف شيك، وهنطبع عليها استيكر مكتوب عليه إطعام لوجه الله عن روح الحاج رضوان.. وهنوزعهم على كل دار أيتام وبيت محتاج في المنطقة عشان رمضان وسحورهم.. الخير ده كان معمول بنية أذيتي، وإحنا هنخليه خير بجد ينور قبر أبويا، ويباركلي في اللي جاي.
قفلت السكة، ودورت العربية ومشيت في طريقي.
كنت زمان فاكرة إن الأصول إنك تضحي وتستحمل وتطاطي عشان المركب تمشي وشكلنا قدام الناس يفضل حلو. بس اتعلمت إن اللي يفرط في كرامته وحقه عشان يرضي ناس ميعرفوش ربنا، بيصحى في الآخر يلاقي نفسه متجرد من كل حاجة.. حتى احترامه لنفسه.
رمضان السنة دي كان داخل عليا وأنا لوحدي في بيتي، بس لأول مرة من سنين طويلة، كنت حاسة بنظافة في قلبي، وراحة في بالي، وطعم حرية ميتعوضش بكل برطمانات الدنيا.



