السكوت اللي ساد في الصالة بعد جملة ميّ كان أتقل من جبل حديد. كلمة "الباب يفوّت جمل" كانت بترن في ودان إسلام زي القلم اللي طرقع على وشه وصحّاه من غيبوبة سنين. الولد الدليفري مكدبش خبر؛ حس إن في مذبحة عائلية هتحصل بعد ثواني، ومن سكات سحب الشنط الحرارية التلاتة ونزل يجري على السلم، كأن العمارة بتولع، وخبطة الباب التحتاني سمعت في المدخل كله معلنة إن الـ 25 ألف جنيه مشيوا خلاص بلا رجعة. نادية وشها قلب من اللون الأصفر للون الباذنجان المخلل، صدرها كان بيعلا ويهبط وريحتها فايحة بريحة البرفان الرخيص اللي راشاه مع الترنج القطيفة الفاقع. بصت لابنها بصة كلها نار وغيظ، وصوتها طلع مخنوق وعالي في نفس الوقت: "سامع يا سي إسلام؟ سامع الهانم المتربية؟ بتطرد أمك وأبوك اللي ربوك وشيلوك لحم ورموك عضم! بتطردنا عشان حتة فرخة ولا عزومة لصاحباتي؟ وبتقولك إنت كمان امشي وراهم؟ هي دي اللي وقفت في وش الدنيا عشان تتجوزها وتقولي بتشتغل وشقيانة ومعايا على المرة قبل الحلوة؟ أهي المرة طلعت في عينك أهي يا اخويا!" فريد رمى باقي الخيارة في طبق على السفرة بقرف، ووشه احتقن وهو بيعدل السديري بتاعه: "إحنا متهانين في بيت ابننا يا نادية! إحنا ملناش قعاد في البيت ده ثانية واحدة. بس والله العظيم يا ميّ ما هعديهالك.. ده أنا هعملك قعدة عيلة ألم فيها كبيركم وصغيركم وأعرف أبوكي إن بنته رمت شيبتنا في الشارع!" ميّ مرحتش ولا جت، ولا حتى صوتها علي نص درجة. البرود اللي كان فيها رعبهم أكتر من لو كانت جابت سكينة المطبخ. بصت لفريد من فوق لتحت وقالتله: "ابقى قوله يا عم فريد.. قوله إن بنتك اللي واقفة على المكنة من تمانية الصبح لأربعة العصر بتصرف على ابنك اللي قاعد يلعب على التلفزيون، وبتقفل أقساط الشقة اللي متسجلة باسمها عشان تدفع تمن دمها وعرقها.. وقوله كمان إنك كنت بتيجي كل يوم تاكل أكل الغلابة اللي بيشيلوه لتاني يوم، وجايين النهاردة تدبسوني في فاتورة أكل تعيش أسرة تلات شهور عشان تتباهوا بيها قدام شلتكم! قوله كل ده ومتبخلش بحرف واحد، وشوف أبويا ولا أي راجل عنده شرف هيقولك إيه!" إسلام وقف في النص مش عارف يبص لمين ولا يرد على مين، التيه كان مرسوم في عينيه زي العيل التايه في المولد. قرب من ميّ وحاول يوطي صوته: "ميّ.. اهدي شوية، متكبريش الموضوع.. أمي ملهاش قصد، هي افتكرت معاكي فلوس، إحنا نعتذرلهم ونقفل الباب وخلاص والموضوع يخلص بينّا، مينفعش اللي بيحصل ده! " "أعتذر لمين يا إسلام؟" ميّ بصتله بجمود شل حركة لسانه: "أعتذر عشان مخلتهومش يمصوا آخر نقطة دم فيا؟ أعتذر عشان مقولتش آمين لحماتك وهي بتبيع وتشتري فيا وفي شقتي؟ إنت مش شايف إنت وصلت لإيه؟ إنت بقيت ضل راجل في البيت ده! حتى البلايستيشن اللي بتلعب بيه أنا اللي دافعة تمنه من جمعيتي السنة اللي فاتت عشان أفرّحك، وانت هنا قاعد تتفرج عليهم وهما بيهينوني وعايزني أعتذر؟" نادية متحمّلتش كلمة "ضل راجل"، صرخت في إسلام بأعلى صوتها وهي بتخبط على فخادها: "بتقول عليك إيه يا خايب؟ بتقول عليك مش راجل في وشك؟ لو فيك نقطة دم تطلقها الليلة دي قبل بكرة! يلا.. طلقها واطردها هي برة الشقة، وريني هتروح فين بالشنطة الهدوم اللي جات بيهم!" ضحكت ميّ ضحكة قصيرة وجافة، ودخلت أوضة النوم في هدوء تام، سابتهم برة يتهامسوا ويتوعدوا ويفتكروا إنها خافت وراحت تعيط. بعد دقيقتين بالظبط، رجعت ميّ وفي إيدها دوسيه بلاستيك أزرق فتحته قدامهم وطلعت منه ورقة مختومة بختم النسر. حطت الورقة في وش إسلام مباشرة: "اقرأ يا إسلام.. اقرأ بصوت عالي عشان مامتك اللي بتزعق دي تسمع. الشقة دي تمليك مين؟ العقد مسجل باسم مين؟ القسط اللي بيتسحب من البنك كل أول شهر مخصوم من مرتب مين؟" إسلام بص للورقة ووشه بهت تمامًا، كأنه شايف كفنه. نادية مدت إيدها تخطف الورقة بس ميّ رجعتها ورا ضهرها بثبات وقالت: "الشقة دي شقتي أنا يا طنط.. شاريها بفلوس مكافأة نهاية الخدمة بتاعة أمي الله يرحمها وبقرشين ورثي، وابنك دخل معايا بسرير ودولاب وشاشة، ومرتبه مبيكفيش حتى مصاريف دخانه والنت بتاعه! لو في حد هيتطرد من هنا، فهو إنتوا وابنكم معاكم. الباب مفتوح.. اتفضلوا." الصدمة كانت تقيلة لدرجة إن نادية قعدت فجأة على أقرب كرسي في الصالة وهي ماسكة دماغها، مش قادرة تستوعب إن الهيلمان اللي كانت عايشة فيه ومفهمة صاحباتها بيه إن ابنها مهندس قد الدنيا وشاري شقة فخمة في منطقة راقية ومراته عايشة في خيره، طلع كله وهم، وإنها بتتعالى بمال غيرها. وفجأة.. رن جرس الإنتركم تاني. نادية نطت من على الكرسي ملهوفة، مسكت موبايلها ولقت رسايل الواتساب نازلة ورا بعضها: "نادية حبيبتي إحنا تحت.. فين الأسانسير؟"، "يا نونو إحنا في المدخل ومعانا التورتة!".. شلة كلية تجارة وصلوا بالتمام والكمال، أربع ستات متزوقين وجايين يحتفلوا بالعيد الأربعين لتخرجهم! نادية بصت لميّ بنظرة ترجي وانكسار لأول مرة في حياتها، صوتها اتقلب 180 درجة وبقى شحاتة صريحة: "ميّ.. لمحة نيوز عشان خاطري.. عشان خاطر ربنا يا بنتي استري عليا.. صاحباتي تحت في المدخل، هقولهم إيه؟ هقولهم اطلعوا وارجعوا؟ ده أنا بقالي شهر بحكي ليهم عن شقة ابني وعن العزومة الفخمة اللي عملاها! عشان خاطر إسلام.. نص ساعة بس! افتحي ليهم، وقولي الأكل هيتأخر، ونجيب أي حاجة من السوبرماركت نشربها ونقعد.. ومش هتشوفي وشي هنا تاني أبدًا.. أبوس إيدك يا ميّ بلاش الفضيحة دي قدام الناس!" فريد كمان وقف مكانه مشلول، منظرهم بقى بائس لدرجة تصعب على الكافر، بس ميّ كانت قلبها خلاص اتقفل بقفل حديد. شافت شريط السنين اللي فاتت بيمر قدامها: التريقة على لبسها، التحكم في مواعيد شغلها، الأكل اللي بيتاخد من بؤها وبؤ جوزها، الإهانات المبطنة، والاستغلال اللي ملوش نهاية.. كل ده عشان ترضيهم وترضي راجل مش قادر حتى يقول لأمه "عيب". ميّ قربت من سماعة الإنتركم، رفعتها، وضغطت على الزرار واتكلمت في المايك بصوت واضح ومهذب جدًا: "أهلاً بيكم يا طنط.. مدام نادية كانت متلخبطة في العنوان، هي مش هنا، شقتها في بيت العيلة القديم اللي فيه الروف والتراب، هنا شقة تانية خالص ومفيش أي عزومات ولا حفلات. اتفضلوا عشان العمارة هنا مش كافيهات." وقفلت السكة في وشهم. نادية ضربت على صدرها ولطمت لطمة مكتومة: "يا فضيحتي! يا سواد ليلتك يا نادية! يا نهار مش فايت!" وجريت على شنطتها الجلد مسكتها وهي بتترعش، وجريت على الباب من غير حتى ما تلبس صندلها كويس. فريد كان وراها على طول، وشه في الأرض وخارجين من الشقة بيجروا رجليهم زي الفراخ المبلولة، خايفين يقابلوا الستات على السلم أو في مدخل العمارة. الباب اتقفل وراهم.. ورجع الهدوء القاتل للصالة. ميّ لفت ضهرها وبصت للشقة. الشقة كانت هادية، مفيش غير صوت تكتكة الساعة على الحيطة، وصوت تنفس إسلام اللي كان واقف مسمر مكانه في زاوية الصالة، وشه في الأرض وإيديه في جيوبه، كأنه مستني النطق بالحكم. "ميّ.." قالها إسلام بصوت واطي ومكسور، "أنا عارف إني غلطت.. بس مكنتش متخيل إنك هتعملي فيهم كده.. دول أهلي برضه." ميّ مشيت في هدوء لحد ترابيزة السفرة، شالت طبق الخيار اللي فريد رماه، ومسحت الرخامة بفوطة نضيفة، وبعدين بصت لإسلام وقالتله: "وأنا كنت أهلك يا إسلام. أنا كنت شريكة حياتك اللي بتضحي وتصرف وتستحمل عشان المركب تمشي.. بس إنت مكنتش شايفني شريكة، إنت كنت شايفني ماكينة صرافة وطباخة وشغالة بتداري على خيبتك وخيبة أهلك. إنت سبتهم يدوسوا عليا سبع تيام، ولما طفح الكيل وعزومة بـ 25 ألف جنيه كانت هتدمرنا وتخلينا نشحت بقية السنة، وقفت تتفرج وطلبت مني أدفع وأعتذر." "طب وهنعمل إيه دلوقتي؟" سألها إسلام والدموع بتلمع في عينيه: "هتخربي بيتنا عشان الموقف ده؟" ميّ بصتله بابتسامة حزن عميقة، هزت راسها وقالت: "البيت ده إنت اللي خربته يا إسلام يوم ما سمحت لحد يدوس على كرامة مراتك في بيتها. البيت ده مش هيتخرب، البيت ده هينضف.. اتفضل لم هدومك والبلايستيشن بتاعك في شنطة، وانزل روح نام في الروف مع أهلك. ورقتك هتوصلك على هناك أول ما المحامي يخلص الإجراءات، ومن هنا لحد ما ده يحصل، مش عايزة أشوف ضلك على عتبة الباب ده." إسلام حاول يتكلم، حاول يقرب ويحلفلها إنه هيتغير وإنه هيقطع علاقته بيهم ومحدش هيعتب الشقة تاني، بس ميّ شاورت بإيدها شارة واحدة قاطعة: "خلص الكلام. لو ما نزلتش في خلال عشر دقايق، أنا هطلب البواب والجيران يطلعوا يخرّجوك، وانت عارف إني أعملها ومبيهمنيش." شاف في عينيها إصرار وقوة عمره ما شافهم في ست. فهم إن كل حاجة انتهت، وإن السكوت والصبر اللي كانت بتتحلى بيهم السنين دي كلها مكنوش ضعف، دول كانوا رصيد، والرصيد نفد لحد آخر مليم. دخل إسلام الأوضة بكسرة نفس، سحب شنطة السفر الكبيرة، حط فيها هدومه، وفصل كابلات البلايستيشن بتاعه ودراعاته وحطهم في الشنطة، وخرج يجر الشنطة وراه وهو باصص في الأرض، حتى مرفعش عينه يبصلها ولا يقول مع السلامة. خرج، والباب اتقفل وراه بتكة هادية وصريحة. ميّ لفت الترباس، وحطت السقاطة. وقفت ورا الباب تاخد نفسها، حست بهوا نضيف بيدخل صدرها لأول مرة من شهور. راحت على المطبخ، ولعت على عين البوتاجاز الصغيرة، حطت كسرولة فيها مية، وسقطت فيها بيضتين من اللي اشترتهم وهي مروحة. قعدت على الكرسي الخشب الصغير في المطبخ، فتحت موبايلها، شافت رصيد الـ 842 جنيه. ابتسمت براحة حقيقية.. الفلوس قليلة، بس البيت بتاعها، والكرامة رجعت، ومفيش حد هيشاركها في لقمة شقاها تاني بالباطل ولا هيذلها بقرش مش من حقه. اللي انكسر الليلة دي مكنش عزومة كباب ولا حفلة تخرج، اللي انكسر كان قيد الاستغلال والسكوت، وميّ كانت لأول مرة من سنين طويلة.. حاسة إنها حرة وسيدة قرارها في بيتها.