حكايات انجي 2

وقفت في المطبخ والورقة بين يدي ترتجف، والكلمات المكتوبة بالبنط العريض تصدم عقلي: “فصام طفولي مصحوب بميول عدوانية خطيرة تجاه الآخرين”. شعرت بالبرودة تسري في أطرافي، وكأن كل الارتياح والتعاطف الذي شعرت به منذ لحظات تبخر في الهواء.
لم تكن مجرد طفلة تعاني من التوحد أو الخوف كما أدعيا، بل هناك جانب مرعب ومظلم يحاولان إخفاءه عني. وضعت الورقة بسرعة داخل حقيبة حماتي عندما سمعت خطوات كريم تقترب من المطبخ. دخل وهو يحاول الابتسام، وبدت عليه علامات الارتياح، وقال بصوت خافت: “إنجي… مش عارف أشكرك إزاي على موقفك.
أنا كنت خايف جداً من رد فعلك، بس إنتي أثبتيلي إنك أصيلة.”نظرت إليه وأنا أحاول تصنع الهدوء والتظاهر بالابتسام، لكن نظراتي كانت مليئة بالريب. بلعت ريقي وقلت: “كريم… هو البنت دي… أقصد مريم، في أي حاجة تانية محتاجة أعرفها عن طبيعة حالتها؟
الدكتور قالكم إيه بالظبط عن تصرفاتها؟”ارتبك كريم للحظة، وتغيرت ملامحه قبل أن يستدرك سريعاً ويقول: “لأ يا حبيبتي، زي ما أمي قالتلك… توحد ونوبات غضب لما بتخاف. المهم بس بلاش نضغط عليها اليومين دول لحد ما نتواصل مع دكتور متخصص يتابع معاها هنا.
“خرجت خلفه إلى الصالة وأنا أستشعر الخطر في كل ركن. كانت حماتي تجلس بجوار مريم تحاول إطعامها قطعة خبز، لكن الطفلة كانت ترفض بقسوة، وعيناها مثبتتان على الزاوية المظلمة من السقف. لم تكن تبكي، بل كانت تهمس بكلمات مبهمة بلغة غير مفهومة، وتحك أظافرها في يد الأريكة الصوت المتواصل لخدش القماش كان يثير الرعب في النفس.
مرت الساعات الأولى من الليل ثقيلة كالدهر. اتفقنا على أن تنام مريم في غرفة الضيوف، بينما ذهبت حماتي للنوم في الغرفة المجاورة لها لتبقى بجانبها. أما أنا وكريم، فعدنا إلى غرفتنا. كان كريم يستلقي على السرير متعباً، وسرعان ما غرق في نوم عميق بفعل الإرهاق الشديد الذي مر به طوال اليوم.
أما أنا، فبقيت مستيقظة، أتقلب في الفراش وأفكاري تتصارع. كلما أغمضت عيني، أتذكر شكل الخرابيش العميقة على صدر كريم، والتقرير الطبي المخيف. في تمام الساعة الثالثة صباحاً، سمعت صوتاً خفيفاً. كان الصوت عبارة عن احتكاك بطيء في الأرضية، كأن أحداً يسحب قدميه بالخارج.
جلست على السرير ببطء، ونظرت إلى كريم الذي كان ينخر في نومه. تسللت من تحت الغطاء بخطوات خافته، وفتحت باب الغرفة بهدوء شديد. كانت الطرقة مظلمة تماماً إلا من ضوء الخافت القادم من شباك الصالة. مشيت بخطوات متقطعة، وقلبي ينبض بقوة.



