قناعه 3 امانى السيد

تامر فضل يضرب النمرة بجنون، مرة واتنين وتلاتة، لحد ما الرنة فجأة قطعت بصوت صفارة غليظة.. بلوك. جرب يرن على تليفوني القديم، لقاه مقفول، جرب يكلم أبويا من أرقام تانية، الخطوط كلها اتقفلت في وشه. حس إن الدنيا بتضيق حوالين رقبته وإنه بقى محاصر ومفضوح، وأول نار حرقت جواه اتجهت للناحية اللي كانت السبب في الخراب ده كله.
فتح خط مع أمه، وأول ما ردت بصوتها اللي متعود يتمسكن، انفجر فيها بزعيق هستيري:
“ارتاحتي يا أمي؟! ارتاحتي إنتي ومرات أخويا؟! بيتي اتخرب ومراتي سابتلي الشقة وأبوها مسح بكرامتي الأرض وقفلوا كل السكك في وشي! منكم لله.. ضيعتوا مني الست اللي كانت صايناني وشايلاني عشان شوية فساتين وهدايا فارغة ملهاش تلاتين لازمة! خليتوا سيرتي على كل لسان وكسرتوا عيني قدام حمايا!”
حماتي لما لقت النبرة قلبت جد، ولقت إن الحنفية اللي بتنزل خير ممكن تتقفل، لوت بوزها وردت ببرود وصوت عالي ينقط سم وتخلي:
“جرى إيه يا تامر؟! وإحنا مالنا يا حبة عيني؟! هو إحنا اللي كنا بنقولك ما تجبلهاش حاجة؟! ولا إنت كنت بتجيب واحنا بنخبي في الشنط يعني؟! ما إنت اللي كنت بتجيب من نفسك وتتدلع علينا وتعمل فيها الباشا الكريم! اشمعنى دلوقتي ركبتنا الغلط؟! إنت اللي عينك كانت مليانة زهد فيها، وإنت اللي عودتها وعودتنا، متجيش بقى ترمي بلاك وكسيبتك وخيبتك علينا عشان تراضي الهانم وأبوها!”
الكلام نزل على نفوخه زي الجردل المتلج.. اتصدم صدمة عمره. الناس اللي ضحى بكرامة مراته وبراحته وشقاه عشان يرضيهم ويسمع منهم كلمة شكر، في أول لحظة جد باعوه ونفضوا إيديهم منه، وقالوله بمنتهى البجاحة: “إنت اللي بتجيب من نفسك!”
قفل السكة في وشها من غير ولا كلمة، وجواه كره وندم مالهمش حدود. من اللحظة دي، قفل الباب تماماً.. قاطع أمه وأخوه وسلفته، بطل يرد على رسايلهم، ولأول مرة في سنين غربته، قفل محبس الفلوس والشحن نهائي.
عدى شهر، ورا التاني، ورا التالت.. تلات شهور كاملين متواصلين، ما بعتش فيهم مليم واحد لأهله، ولا حتى كيس شيبسي. أمه كانت بتلف حوالين نفسها وتبعتر رسايل عتاب واستعطاف مع قرايبهم، وهو قافل ودانه تماماً. التلات شهور دول كان كل همه يوصل لصفا.. يبعت مع معارف، يكتب رسايل طويلة على كل إيميل يعرفه، يستحلف قرايبها يدخلوه وسيط، بس كان الرد دايماً واحد: “صفا قافلة الباب، ومفيش كلام إلا في المحاكم أو لما تنزل وتتحاسب راجل لراجل”.
في نهاية الشهر التالت، تامر حجز أول طيارة ونزل مصر من غير ما يعرف مخلوق، حتى أمه مكنتش تعرف إنه نازل.
نزل الشارع وهو ساحب معاه شُنط سفر تقيلة ومليانة على آخرها. ما عتبش شقة أمه، ولا فكر حتى يرمي عليهم السلام.. أجر عربية وطلع بيها مباشرة على بيت حماه.
رن الجرس وإيده بتترعش، ولما فتح أبويا الباب، اتفاجئ بيه واقف وشه شاحب، باين عليه قلة النوم والندم، وسحب معاه الشنط ودخل ركع تقريباً قدام أبويا وباس راسه وإيده قدام الكل:
“حقك على راسي يا عمي.. جزمة صفا فوق نفوخي، وإنت ليك الحق تدوس عليا.. بس اسمعني وعاقبني زي ما تحب.”
أنا كنت واقفة ورا باب الصالة، شايلاه بنتي الصغيرة في حضني، وببصله بجمود.. كان متبهدل، مش ده الراجل اللي كان صوته بيهز البيت بغرور وكبرياء.
تامر فتح الشنط قدامنا، وكانت مليانة لآخرها.. أحدث تليفون نزل في السوق، علب دهب، هدوم وفساتين على مقاسي بالظبط، ولعب وهدوم غالية جداً لبنته. بصلي وعينه اتملت دموع حقيقية لأول مرة أشوفها، وقرب مني بخطوات مكسورة وقال بصوت بيترج:
“أنا عرفت مقاسك يا صفا.. سألت ودورت وحفظت كل حاجة بتحبيها.. وعرفت إن اللي بيفرط في دهبه عشان يرضي الناس بيفضل طول عمره رخيص في نظرهم ونظر نفسه. أهلي قاطعتهم من يومها، وعرفت مين اللي كان بيحبني ومين اللي كان بيحب جيبي.. اديني فرصة واحدة يا صفا، مش عشان ترجعيلي، عشان أثبتلك إني بقيت الراجل اللي يشيلك إنتي وبنتك فوق راسه، وميخليش مخلوق في الدنيا يتطاول عليكم بنظرة.”
فضلت باصة له وللشنط المفتوحة على الأرض، ولعينيه اللي مكنش فيها أي أثر للغرور بتاع زمان. بنتي كانت مكلبشة في رقبتي وبتبص لأبوها باستغراب وكأنها بتتعرف عليه من أول وجديد. أخدت نفس طويل، وطلعت الكلمات من حلقي هادية، تقيلة، وموزونة، مفيهاش لا انكسار ولا حتى شماتة:
“أنا عمري ما قولتلك قاطع أهلك يا تامر، ولا ربيت في بيتي على إني أفرّق بين راجل وأمه.. لكن كل حاجة في الدنيا دي ليها أصول ومقام. أمك على راسنا وأخوك سندك، بس لما يكون الإكرام على حساب لحمي وكسرتي، ولما الفضل والخير يروح للغريب ويترميلي أنا وبنتك الفتات والإهانة، يبقى ده مش بر.. ده ظلم واستهوان.”
قربت منه خطوة واحدة، وصوتي بقى أكثر حزماً:
“أنا جيت على نفسي كتير عشانك.. كنت كريمة معاك في مشاعري، وفي تنازلاتي، وفي خوفي على قرشك وشقاك، بس إنت اعتبرت كرمي رخص، واستكترت عليا أبسط حقوقي ورميتني لبواقي غيري. الغلط مكنش في طلباتهم، الغلط كان فيك إنت، في نظرتك ليا اللي استصغرت وجودي لمجرد إني مكنتش بتمرّد وأطلب.”
تامر نزل عينه في الأرض بخجل حقيقي، ودموعه سبقت كلامه. مسك إيدي وباسها قدام أبويا، وباس راس بنته وهو بيترجاني بنبرة صوت مهدودة:
“حقك على راسي يا صفا، والله العظيم اتعلمت الدرس ودفعت تمنه غالي من كرامتي وراحتي في الغربة، وعرف مين اللي سند بجد ومين اللي كان مستني الشنط عشان يفرح بجيبي. أنا مش هبرر، أنا غلطت في حقك وظلمتك وظلمت كرم أصلك.. بس وحياة بنتنا الغالية، لو الموضوع ده اتكرر تاني ولو بنص كلمة أو تصرف يمس كرامتك أو يقلل منك، انزلي وسيبيلي البيت واعملي كل اللي إنتي عايزاه ومحاكم الدنيا كلها تحكم ليكي، وهكون أنا اللي شاهد على نفسي.”
بص أبويا لتامر، ورجع بصلي، وساب القرار كله في إيدي بعد ما شاف الندم راكع في عين جوزي، وشاف إن بنت الأصول ردت اعتبارها وكسرت شوكة اللي استرخصها للأبد.
رجعت مع تامر شقتي، بس المرة دي دخلت برجل تانية ونَفَس تاني خالص. الشقة اللي سبتها وأنا مكسورة ومستخسرة في نفسي اللقمة، دخلتها وأنا عارفة قيمتي كويس، وحاطة لكل حاجة في حياتي خط أحمر مفيش مخلوق يقدر يتخطاه.
تامر من أول يوم نزوله كان اتغير تماماً؛ أول حاجة عملها بعد ما استقرينا، نزل لأمه لوحده. سلم عليها وقعد معاها، ورجع الود بس في حدود ضيقة وواضحة زي السيف. فهمهم من سكات إن اللي فات مات، وإن صفا وبنتها هما الخط الأحمر اللي ملوش مساس. حنفية الفلوس المفتوحة على البحري والطلبات اللي بالكوم لسلفتي اتقفلت للأبد، بقى يراعي أمه باللي يرضي ربنا والأصول، وبس.. لا زيادة، ولا هدايا مستفزة، ولا شنط تنزل تحت تتباها بيها سلفته على قفا شقاه وقهري.
سلفتي حاولت في الأول تلقح بالكلام وتتمسكن لما شافت تامر ماسك إيدي وإيد بنته، ولابسة الفستان الجديد والتليفون الحديث في إيدي، بس كانت نظرة تامر ليها كافية تخرسها وتبلع لسانها.. نظرة راجل فاق وعرف مين بيصونه ومين كان بيمص دمه وشماتان فيه.
أما أنا، فطلعت من التجربة دي بأكبر درس في حياتي؛ التضحية اللي ملهاش سقف بتتحول مع الوقت لواجب مفروض، والقناعة الزيادة عن اللزوم مش شطارة، دي سذاجة بتعلم اللي قدامك يسترخصك وينسى إنك إنسانة ليكي نفس وحقوق.
اتعلمت إني ما أستخسرش في نفسي حاجة، وإني أطلب وأتدلل بكرامة، والأهم من ده كله.. إن العطاء مش عيب، بس لازم يكون بحساب، واللي يقدرك تشيله فوق راسك، واللي يشوف رضاك ضعف.. توقفه عند حده من أول لحظة.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *