قناعه 2 امانى السيد

تامر قعد مكانه في الغربة مذهول، الكلمات كانت بتتردد في ودنه زي الصواعق.. إحساس العجز والإهانة طير النوم من عينه، ولأول مرة يدرك إن الحبل اللي كان شده على آخره اتقطع في إيده. الخوف من الفضيحة وإنه يخسر بيته، وفكرة إن كلام حماه كشف عورته وكسر غروره، خلوه يمسك التليفون تاني بإيدين بتترعش ويرن على أبويا.
رن مرة واتنين، وأبويا سايب التليفون يصرخ على التربيزة وهو بيشرب شاي بكل هدوء. في تالت رنة، مد إيده وفتح الخط، وحط السماعة على ودنه من غير ما ينطق ولا حرف.
صوت تامر طلع مكسور، نبرة العجرفة والزعيق اختفت وحل مكانها نبرة استعطاف مفضوحة:
“ألو.. يا عمي، حقك عليا، أنا ماقصدتش والله.. الشيطان دخل بينا والكلام أخدنا، إنت زي والدي ومقامك فوق راسي. أنا عارف إني قصرت وغلطت، بس والله ما كان قصدي أقلل منها، دي مراتي وأم بيتي وعرضي.. وأنا مستعد أصلح كل حاجة، من بكرة الصبح هنزلها فلوس تجيب أحدث تليفون، وهبعتلها دهب وهدوم تعوضها عن كل اللي فات، بس بلاش تكبروا الموضوع وتخربوا بيتي، خليها ترجع شقتها والموضوع يتقفل بينا.”
أبويا حط كوباية الشاي برنة خفيفة على الطبق، وطلع صوته أهدى من المرة الأولى، بس البرود اللي فيه كان بيذبح أكتر من أي زعيق:
“تصلح إيه يا تامر؟ بفلوس؟ إنت فاكر كرامة بنتي سلعة في دكان هترمي عليها كام قرش وترجع تشتريها؟! الكلام اللي قولتهولك ده مبيتصلحش بشوية هدايا تدفع تمنها عشان تسكتنا.”
تامر بلع ريقه وصوته اتهز: “يا عمي أنا شقيان وتعبان في الغربة عشانها وعشان أفتح بيت، وأنا اللي مكفّيها وشايل مصاريفها، مين هيصرف عليها ولا…”
هنا أبويا قاطعه بصوت صارم هز أركان الصالة وخلى تامر يخرس في مكانه:
“إنت مكنتش راجل ولا عارف تكفي مراتك يا تامر! الراجل اللي عينه في طبق غيره ومستخسر في عرضه الهدوم والتليفون ميبقاش مكفّيها.. إنت استكترت عليها اللقمة والكسوة ورميتلها بواقي سلفتها! إنما أنا بقى.. أنا أقدر أكفيها وأكفي عشرة زيها! بنتي عايشة في خيري من قبل ما عينك تشوفها، وباب بيتي مفتوح ليها ولعزها، ولقمتها عندي من دهب، مش جاية تشحت منك ولا من شقاك اللي مغرق بيه بيوت الناس!”
تامر اتلجم، وحاول بصعوبة ينطق: “يا عمي متصغرنيش، أنا جوزها وليا حق عليها…”
أبويا وقف وقال بحسم ملوش رجعة:
“حقك ضيعته يوم ما خليت مراتك تمد إيدها لبواقي سلفتها ويوم ما نزلت من نظرها ونظري.. بنتي مش هترجع لشقة إنت مش مالي مكانك فيها، والرجولة مش عقد سفر وشوية قروش تبعتها بالقطارة وتذل بيهم اللي صايناك. بنتي في حمايا وتحت جناحي، ولو فاكر إنك كاسر عينها بقرشين، فخير أبوها يغرقك ويغرق أهلك.. كلامنا الجاي هيكون على ورقة الطلاق وحقوقها انا هعرف اجبهالهت ، عشان تتعلم يعني إيه تصون بنت الأصول!”
وقفل أبويا السكة للمرة التانية، ورزع التليفون جنبه، وبصلي بنظرة كلها فخر وحنية، وقال: “طول ما أنا في ضهرك، مفيش نطع في الدنيا يكسر خاطرك بنص كلمة يا بنتي.”

