فلوس مرات ابني حكايات زهرة

مرات ابني بتشتغل وبترفض تحط فلوسها في مصاريف البيت
مع انه اختارها عشان شغلها عشان تشيل معاه شويه ، ولما غلبنا معاها قولنا ناخد الفلوس من وراها بس الكارثه الحقيقيه كانت لما عرفنا هيه بتعمل ايه بفلوسها !!

أنا مش من طبعي أتدخل بين أبني ومراته ، بس ابني ده حتة مني، وطول عمره مابيخبيش عني حاجه.. يجيلي من شغله عمدي على طول بيحكيلي على كل كبيرة وصغيرة بتحصل في بيته. ابني شغال ليل نهار، طالع عينهوالمصاريف عمالة تطير ، ومابقاش ملاحق على حاجة. وهو معاه من مراته عيلين، يعني حمل مش سهل .
​أنا من الأول خالص مكنتش طايقة الجوازة دي ولا كانت داخله دماغي. أنا كنت عايزة أجوزه بنت أخويا، أدب وأخلاق وذوق ورقة، بنت أصول تتشال على الراس وتعرف ربنا وتصون بيتها. بس هو بقى اللي قالي “لا يا أمي هتجوز عزه دي شغالـة مدرسة وبتقبض مرتب شهري، وهتشيل معايا شويه في مصاريف البيت”. وأهو لا شالت ولا نيلت، وطلعت بخيله وبجحة!
​الست الأستاذة بتقبض المرتب من هنا، وتحطه في جيبها من هنا. ولا راضية تحط جنيه واحد في البيت، ولا حتى بترميه على عيالها! شايلة مصاريفها هي بس، لبسها ومكياجها وفشخرتها الفاضيه. وياريتها على نفسها وبس دي كمان بتبحتر على الغريب والقريب. يوم عيد ميلاد أخوها راحت جابتله هدية بالشيء الفلاني، وفي عيد الأم راحت جابت لأمها هدية غاليه وأنا حماتها .. ما افتكرتنيش حتى بوردة بلاستيك!
​ولما ابني قالها: “مجبتيش لأمي ليه ؟ مش دي حماتك وفي مقام أمك برضه؟”، ردت بمنتهى البجاحة والبرود وقالتله:

“أمك أنت اللي تجيب لها! ده عيد الأم.. وأنا عندي أم واحدة بس في الدنيا دي هي اللي بجيب لها!”. شايفين الجبروت ؟ أنا طبعاً عدتـها، وبلعتها عشان خاطر ابني وعشان العيال الصغار دول مالهمش ذنب، بس ​البيت مابقاش بيت، بقى ساحة حرب وهو الغلبان اللي بيدفع التمن. لما كان يزنق في قرشين ولا يطلب منها مبلغ بسيط تنشف ريقه! تذله وتماطل معاه، وحتى لو وافقت تطلع القرشين، تقول له “ده سلف وزيك زي الغريب وترجعهملي أول الشهر!”. هو في واحدة تقول لجوزها وأبو عيالها كده؟ ده جيب الاصيله وجيب جوزها واحد!
​أنا لما لقيت ابني مهموم، قولت له: “بقولك إيه يا ابني، ما تجرب تسيب البيت من غير مصاريف كام يوم، وهي لما تلاقي مفيش أكل ولا شرب هتتزنق وتضطر تصرف من فلوسها اللي عيناها غصب”.
​سمع كلامي وعمل كده، بس يومها كانت هتجلطني باللي عملته .. راحت جرة العيال من إيدهم ونزلتهم عندي تحت، وقالتلهم : “روحوا اتغدوا عند تيتا وافضلو معاها!” وراحت هي سايبة البيت كله ومقضية اليوم بطوله عند أهلها تأكل وتشرب وتتبغدد و العيال دخلوا عليا جعانين، واضطريت أنا اللي أقف على رجلي وأحضرلهم الغدا ولما ابني جه بالليل مهدود حيله من الشغل، مالقاش لا عشا ولا لقمة ناشفة في البيت! اضطر بقلة حيلته يطلب دليفري بالشيء الفلاني من جيبه ، وتاني يوم الصبح اضطر يسبلها المصاريف عشان عياله وعشان ياجي يلاقي لقمه في البيت!
​ومرة تاني، قالها إنه محتاج خمس تلاف جنيه ضروري يلحق يصلح بيهم حاجة في العربية عشان شغلاناته، رفضت بمنتهى الجبروت تديله ملطوش واحد. وقالتله : “أنا بروح شغلي في المواصلات واتبهدل وأنت بترفض توصلني معاك بالعربية مع اني في طريقك.. أهو خليها عطلانة بقى ومركونة جنب البيت!”.
​أنا لما شكالي من غُلبها، قعدت أفكر مع نفسي.. هي الست دي بتعمل إيه بفلوسها دي كلها؟ ده مرتب مدرسة بقالها سنين شغالاه وعمالة تحوشه أول بأول. قولت له: “هي مراتك بتخبي فلوسها فين يا محمد؟ هي عندها حساب في البنك؟ ولا عاملة محفظة على تليفونها؟” قالي: “لا يا أمي، معندهاش ولا حساب ولا محفظة ولا ليها في الحاجات دي أساساً”.
​ساعتها عيني لمعت وقولت له: “بس! طالما معندهاش حسابات، يبقى فلوسها دي كلها متلتلة ومتحوشة جوة الشقة هنا تحت إيدك يا خايب وأنت تقدر تاخد اللي أنت عايزه من غير ما تحس، ده حقك وحق عيالك اللي هي حرماكم منه!”.
​استنينا لما جت الفرصة، يوم ما قالت إنها طالعة زيارتها الأسبوعية عند أمها وخدت العيال معاها. أول ما الباب أتقفل ورجلها خطت برة البيت، طلعت أنا وابني ودخلنا الشقة.. وقفلت الباب بالمفتاح من جوة.
​قلبنا الشقة قلب! فتشنا الدولاب، وتحت المرتبة، وورا اللوحات، وجوة هدوم الشتا، وتحت السجاد، وتحت الكنب.. قعدنا ندور وننعكش لما عينا وتعبنا !
​وبعد عذاب وساعات .. لقينا الحاجة!
​بس يا ريتنا ما لقينا ولا شفنا ولا عرفنا إنها بتعمل بالفلوس دي أكبر كارثة من ورا ضهرنا، حاجة خلت عقلنا هيشت من اللي شوفناه !!!
كانت علبة صفيح قديمة، محطوطة في أبعد نقطة في قاع الدولاب، مستخبية ورا شوية مفرشات قديمة وملايات ملهاش لازمة. لما محمد مسك العلبة، إيده كانت بترتعش، ووشه كان أصفر زي الليمونة. بصلي وقال بصوت مخنوق: “هي دي يا أمي.. العلبة دي أنا عمري ما شوفتها في الشقة قبل كده”.
​قلبي دق بسرعة، ووقفت جنبه وأنا بقوله بحماس وغل: “افتح يا ابني! افتح شوف المتلتل اللي حايشتاه من ورانا وأنت طالع عينك ليل نهار وهي ولا هي هنا!”.
​فتح محمد العلبة، وكنت فاكرة إني هشوف رزم فلوس.. عشرينات وميات وألوفات متستفة فوق بعضها. بس اللي لقيناه جوه العلبة خلانا نقف في مكاننا زي التماثيل، ريقنا نِشف، والدنيا دارت بينا.
​ما كانش فيه فلوس كتير.. كل اللي كان موجود في العلبة شوية فواتير وروشتات، وأوراق طبية كتيرة جداً، ومعاهم أكياس علاج فافية فاضية، ودفتر تقارير معملية وأشعة. مسكت ورقة منهم وأنا أيدي بترتعش وبقوله: “إيه ده يا محمد؟ إيه الفواتير دي كلها؟ هي عزة بتشتري أدوية لمين بالمبالغ دي؟”.
​محمد مسك التقارير الأسبوعية والشهرية، وبدأ يقرأ الكلام المكتوب بالإنجليزي، وفجأة لقيته بيقعد على طرف السرير، ورجليه مش شايلاه. عيونه كانت متسعة بذهول ورعب ما شوفتهمش في وشه قبل كده. مسك تقرير منهم، كان بتاريخ قريب، ومكتوب فيه بخط واضح جداً باللغة العربية في خانة التشخيص: “(ورم خبيث في المرحلة المتقدمة – جلسات علاج كيماوي وإشعاعي)”.
​الورقة وقعت من إيده. بصلي بصوت طالع بالعافية، وصوته بيترعش من الصدمة: “عزة.. عزة يا أمي.. عزة عندها كانسر!”.
​الكلمة نزل عليا زي الصاعقة. حسيت بدوخة، وركبي خارت تحت مني. “كانسر؟! عزة مراتك؟!”.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *