خطيبتي عندها فوبيا من الحشرات ج 2 حكـايات ضحي

طريق الصعيد في الليل كان زي الثقب الأسود، الأسفلت ممتد قدامي ومفيش حوالينا غير ظلام دامس وسكون يرعب. كنت دايس على دواسة البنزين بكل قوتي، العربية بتتطوح بينا على السرعة العالية، وعيني مش بتفارق الطريق. كل ثانية بتعدي كانت بتمر عليا زي دهور، ودقات قلبي كانت أسرع من صوت الموتور نفسه.
عمي مجدي كان قاعد جنبي في الكرسي القدامي، حاطط إيده على وشه ويدعي بصوت خاڤت ويرتعش. أمها وراء كانت مڼهارة ومسكة سبحتها، وكل شوية تطلع منها شهقة بكاء تخرم القلب.
أنا مكنتش حاسس ببرودة التكييف، العرق كان بينزل من وشه بغزارة، والندم كان بياكل في جسمي زي السوس. كنت بفتكر ضحكتي الغبية مبارح لما مسكت البرص، بفتكر إزاي كنت فاكر نفسي بفركش القاعدة وبسلي وقتنا… قد إيه الإنسان بيبقى أعمى وغبي لما يستهين بۏجع غيره! قد إيه لحظة طيش ممكن تهد حياة كاملة وتفتح أبواب جهنم على ناس بنحبهم!
يا رب… يا رب سلم… يا رب وصلني ليها قبل ما تعمل في نفسها حاجة.
الطريق إلى الذكريات المظلمة
التليفون رن في إيدي، كان الدكتور المتابع لحالتها في المصحة. فتحت الميكروفون بسرعة عشان عمي مجدي يسمع.
إيوه يا دكتور! لقيتم أي أثر ليها؟ هل حد شافها في الموقف أو المحطة؟
صوت الدكتور كان متوتر وجاد جدًا
يا إبراهيم بيه، إحنا راجعنا كاميرات المراقبة الخاصة بالمستشفى. سها خرجت من سور الجاردن الخلفي الساعة تسعة بالليل… وكانت لابسة عباية بيضاء، وركبت عربية تاكسي كانت مستنياها بره… السواق إحنا وصلنا لرقمه عن طريق الموقف، وقال إنه نزلها عند مدخل القرية القديمة بتاعتكم هناك من حوالي ساعة!
عمي مجدي صړخ بذهول
ساعة؟! البنت هناك لوحدها في الظلمة دي بقالها ساعة؟!
الدكتور كمل بنبرة تحذيرية شديدة
سمعوني كويس جداً يا جماعة… سها حالياً في مرحلة اسمها الانتقال الذهاني الارتجاعي. هي مش شايفه الواقع بتاعنا أصلاً، مخها رجعها لسن سبع سنين، وهي رايحة للمكان ده عشان تطلع الطفل المخڼوق اللي جواها… أي تعامل خاطئ معاها أو اندفاع ممكن يخليها تدخل في حالة هيستيريا تنهي حياتها أو تسبب لها سكتة قلبية من الړعب. لازم تدخلوا بحذر شديد!
قفلت مع الدكتور وأنا حاسس إن جسمي كله اتخشب. زدت السرعة أكتر، والعربية بقت تطير على الطريق المقفر.
بعد نص ساعة تقريبًا، بدأنا ندخل في شوارع القرية القديمة. الشوارع كانت ضيقة، والبيوت معظمها مبني بالطين أو مهجور، ومفيش ولا عمود نور شغال. المكان كان شبه مېت، وصوت الكلاب الضالة في البعيد كان بيزود الړعب رعبين.
البيت المهجور
وقفنا العربية على مشارف الشارع الضيق. البيت القديم كان قابع في نهاية الزقاق، بيت دورين من الطوب الأحمر القديم، السقف بتاعه متكسر، والشبابيك خشبها مأكول ومخلوع. كان شكله زي المقپرة المهجورة وسط النخيل المېت.
نزلنا من العربية بسرعة. عمي مجدي كان بيترجل بعبايته، وأم سها مسكت في دراعي وهي بتتنفض.
إبراهيم… بالراحة يا ابني… بالراحة عشان ما نتخضش.
طلعت كشاف الموبايل وشغلته، الضوء الأزرق الشاحب ضړب في واجهة البيت. الباب الحديدي الخارجي كان مفتوح على بحري، وسلسلة الصدأ المکسورة ملقية على الأرض.
سها… سها دخلت جوه!
همست بالكلمة دي وأنا بلع بلعي بالعافية. مشينا بخطوات بطيئة وساكتة جدًا ناحية الباب. الريحة جوه البيت كانت عبارة عن تراب قديم، ورطوبة، وريحة قش مبلول وعفن… ريحة السنين اللي اتدفنت هنا.
دخلنا الصالة الكبيرة، وكانت أرضيتها مليانة كراكيب، خشب متكسر، وصفائح سمنة قديمة مصدية. الضوء بتاع كشافي كان بيتحرك على الحوائط المشققة اللي كانت مليانة بيوت عنكبوت.
فجأة… سمعنا الصوت.
صوت نشيج واطي… صوت طفلة صغيرة بټعيط بحشرجة مكتومة، كأن حد حاطط إيده على بقها.
الصوت كان جاي من تحت… من البدروم!
الهبوط إلى القاع
عمي مجدي مسك إيدي بقوة، وعينيه مليانة دموع وړعب
البدروم يا إبراهيم… هي هناك!
مشينا بالراحة ناحية السلم النازل للبدروم. السلم كان عبارة عن درجات إدشاش متكسرة ومكشوفة، ملوش درابزين، وكل خطوة عليه كانت بتعمل صوت فحيح زي التعابين.
نزلت أول درجة… وبعدين الثانية… الضوء بتاع الكشاف بدأ يكشف مدخل البدروم.
البدروم كان عبارة عن أوضة واسعة تحت الأرض، ملهاش أي شبابيك ولا منفذ للنور. السقف كان واطي جداً، وفي الزاوية البعيدة تماماً، تحت العروق الخشبية المصاپة بالعفن… كانت سها.
كانت قاعدة على الأرض، ضامة ركبتها لصدرها، وحاطة إيديها الاثنين على أذانها بضغط رهيب. العباية البيضاء بتاعتها بقت متسخة بالتراب والزيت الأسود، وشعرها كان نازل على وشها بطريقة تخوف. كانت بترتعش زي ورقة شجر في مهب الريح، وبتهز جسمها قدام وورا وهي بتهمس بكلمات مش مفهومة
شيلوه من عليا… طلعوه بره… الضلمة بتاكلني… يا بابا تعال… طلعوه بره…
المنظر كسر قلبي لألف حتة. الصورة كانت مرعبة بدرجة تعجز الألفاظ عن وصفها. البنت اللي كانت مبارح بتضحك ولابسة أشيك هدوم، وبنتخطط لفرحنا وشقتنا، أهي قدامي دلوقتي زي الچثة الهامدة المترامية في ژبالة الماضي.
أمها جيت تجري عليها وهي بتصرخ
سها! يا بنيتي!
مسكتها بسرعة ومنعتها
لا يا طنط! الدكتور قال بلاش اندفاع! استني هنا أنتِ وعمي مجدي… سيبوني أنا أدخل لها الأول.
عمي مجدي بصلي بړعب
يا إبراهيم… هي ممكن ما تعرفكش! ممكن تشوفك أنت السبب!
أنا السبب فعلاً يا عمي… وعشان كده أنا اللي لازم أصلح ده، حتى لو هي ضړبتني أو رفضتني.
المواجهة في الضلمة
أخدت نفس عميق، ونزلت بقية درجات السلم بخطوات هادية جدًا. طفيت كشاف الموبايل المباشر، ووجهته للنص تحت الأرض عشان الضوء ما يضربش في عينيها فجأة ويكهربها.
خطوت خطوة… ووراها خطوة… الأرضية كانت تحت رجلي بتعمل صوت قرمشة للحشرات المېتة والتراب.
سها…
قلتها بصوت واطي جداً، صوت حنون ومرتعش محمل بكل الندم اللي في العالم.
سها ما هزتش رأسها، لكن جسمها اتصلب أكتر، وصوت شهقاتها زاد
إبعد عني… إبعد عني يا برص… ما تلمسنيش…
قلبي اتعصر من الكلمة. هي كانت شايفاني الکابوس… شايفاني الحشرة اللي بتطاردها في الضلمة.
نزلت على ركبي على الأرض المتسخة، وقربت منها بالراحة لحد ما بقيت على بعد متر واحد بس. طفيت النور خالص. البدروم بقى ضلمة كاحلة، مفيش غير ضوء القمر الضئيل اللي داخل من فتحة السلم فوق.
سها… أنا مش برص… أنا إبراهيم.
سكتت لحظة… الصوت بتاعي دخل أذانها، لكن هي كانت لسه متخشبة.
أنا إبراهيم يا سها… إبراهيم اللي بيحبك. اللي عمل أغبى حركة في حياته عشان مكنش فاهم… اللي جاي دلوقتي عشان يتحبس معاكي في الضلمة دي، وما يخرجش غير لما تخرجي معاه.
بدأت أسمع أنفاسها المتسارعة. هي كانت بتسمعني.
أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي… ولا هطلب منك ترجعي معايا لو مش عايزة. بس أنا هنا عشان أقولك إنك مش لوحدك في البدروم ده تاني… الباب مفتوح يا سها… الباب فوق مفتوح، وبابا وماما واقفين مستنيينك… والبرص ماټ… أنا قټلته… وما فيش أي حاجة هتقدر تمسك أو تؤذيكي طول ما أنا حي.
مديت إيدي بالراحة في الضلمة… إيدي كانت بترتعش… وحطيتها على الأرض قدامها بمسافة قصيرة، كإني بعرض عليها الأمان، ومش بجبرها على حاجة.
سها رفعت رأسها بالراحة في الضلمة. مكنتش شايف عينيه كويس، بس كنت حاسس بنظرتها التايهة اللي

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *