جوزى 2

لم يمر على طرد محمود وأخيه “سيد” من بيتنا سوى ليلتين، ليلتين لم تذق فيهما عيني النوم. ورغم أن علقة أخواتي لهما شفت غليلي وأعادت لي بعض كرامتي المهدورة، إلا أن القلق من الخطوة القادمة كان كالجمر تحت الرماد، خصوصاً أننا نعيش في بيئة صعيدية لا تمر فيها قضايا الضرب والـمَهانة مرور الكرام.

في صباح اليوم الثالث، انقطع الشك باليقين.

أثناء جلوسي مع أمي في المطبخ، سمعنا صوت جلبة وصراخاً قادماً من الشارع. ركضت نحو النافذة واستطلعت الأمر، فإذا بـ “حماتي” (أم محمود) تقف في منتصف الشارع، تصفق بكفيها وتصرخ بأعلى صوتها، لتجمع أهل المنطقة حولها:

— “يا ناس يا عالم! شوفوا الحق وفين الأصول! بعتنا رجالنا عشان يصالحوا ويرجعوا الست هانم بيتها، قاموا أخواتها الصيع قطّعوا رجالتنا بالضرب ورموهم في الشارع! سيد ومحمود نايمين في المستشفى بالكسور، وعيلة (…) فاكرين إن مالهمش رادع!”

كانت تحاول قلب الحقائق وتشويه سمعة عائلتي أمام الجيران لتكسب تعاطف الناس. خرج أبي إلى شرفة المنزل بهيبته المعهودة، ونظر إليها ببرود وقال بصوت جهوري سمعه كل من في الشارع:

— “يا أم محمود، البيوت لها حرمة، واللي حصل جوه بيتي كان رداً على اللي عمله ولدك اللي طرد بنتي في نص الليل وضربها بإيعاز من أخوه. لو ليكي حق روحي للمحاكم، لكن الردح في الشوارع مش طبع ولاد الأصول. خدي بعضك وامشي من هنا قبل ما أخواتها ينزلوا يتصرفوا معاكي.”

انصرفت حماتي وهي تتوعّد وتسب، لكن النيران كانت قد اشتعلت بالفعل.

بعد ساعات قليلة، وفي العصر، تفاجأنا بـ “أحمد” و”مصطفى” يدخلان البيت ووجوههما عابسة وعلامات الغضب والوجوم تسيطر عليهما. قال أحمد لأبي وهو يلقي بهاتفه على الطاولة:

— “يا بابا، الموضوع كبر. محمود وسيد عملوا تقارير طبية مزورة في المستشفى، ورفعوا علينا قضايا ضرب واستعراض قوة، والشرطة بتدور علينا دلوقتي.”

لم يكد أحمد ينهي كلمته حتى رن جرس الباب بعنف. ارتعش جسدي بالكامل، وظننت أن الشرطة قد وصلت للقبض على أخواتي. ركض مصطفى ليفتح الباب بحذر، لكنه لم يجد عساكر، بل وجد ثلاثة من كبار مشايخ وعواقل المنطقة، يدخلون ووجوههم تحمل علامات الجدية الصارمة.

جلس المشايخ في الصالة، وتحدث كبيرهم متوجهاً لأبي:

— “يا حاج، إحنا جينا نلحق الدم قبل ما يسيل. عيلة محمود كلموا قرايبهم في الصعيد، والكلب “سيد” شاحن أخواته وولاد عمه وجايين بكرة في قعدة لرد الاعتبار، يا إما القضايا هتمشي وأخواتك هيدخلوا السجن، يا إما القعدة دي هتخلص بدم. إحنا جايين نقولك إن القعدة بكرة في المندرة الكبيرة، ومحمود مش هيكون لوحده، ده جايب وراه عيلة بحالها.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *