وعزتي وجلالي لعبير سليم

​”وعزتي وجلالي لأنصرنكِ ولو بعد حين.”
كنت دايماً أسمع الآية دي في الراديو وأنا طفلة وأطمن.. بس عمري ما تخيلت إن يجي عليا يوم أتعلق بالكلمات دي وأنا غرقانة في دمي، وعقلي بيصرخ من الظلم.
​سنتين كاملين وهما فاكرين إني ميتة بالبطيء.. مكنوش يعرفوا إن الضحية لما بتفوق، بتبقى أشرس من الصياد.
​الساعة كانت تلاتة الفجر.. الوقت اللي القلوب الخاشعة فيه بتناجي ربنا وتطلب الستر والدفا في عز البرد. فجأة، الباب اترزع بهمجية هزت جدران البيت. دخل “طارق” جوزي الأوضة وعينه طالع منها الشرر، مفيش في قلبه ذرة رحمة ولا اتقى ربنا في وِلاياه. شدني من شعري ورماني على الأرض وهو بيصرخ في وشي بغل:
“اصحي يا فاشلة! اصحي يا اللي لولايا ولولا خيري كان زمانك بتشحتي في الشوارع!”
​وعلى عتبة الأوضة، كانت واقفة أمه.. الست اللي المفروض تكون بمقام أمي وترد الظلم عني، واقفة مربعة إيديها فوق عبايتها الستان وبتضحك بشماتة وغل يمرّض القلوب.
​في اللحظة دي، وأنا وشي في الأرض ودموعي بتغرق السجادة، افتكرت “كاشف الدخان” اللي فوق السقف.. افتكرت اللمبة الزرقا الدقيقة اللي بتنور وتطفي فيه. هما فاكرينها لمبة التشغيل، بس دي كانت عدسة الكاميرا السرية اللي بتسجل كل همسة، وكل إهانة، وكل ضربة. الكاميرا اللي هتكون حبل المشنقة اللي هيلتف حوالين رقبتهم.
​الحاجة كريمة، حماتي، خطت جوة الأوضة برجليها وقالت بنبرة كلها كبرياء زايف: “يمكن دلوقتي بس تفوقي وتعرفي مين صاحبة البيت ده، ومين اللي ليه الكلمة هنا يا بت الأصول!”
​البيت ده؟ البيت ده شقى عمر أبويا الله يرحمه.. المقاول الغلبان اللي بنى الطوبة فوق الطوبة بعرقه وحلاله، وكتبه باسمي قبل ما يقابل وجه كريم عشان يؤمنّي.
​بس هما بقالهم سنتين، بيمصوا في دمي وبيخططوا عشان يقنعوا الدنيا كلها بعكس كده.
​بعد ما أبويا مات، الحزن جرفني زي السيل، وكنت يتيمة مكسورة الظهر. طارق لقط الفرصة ولبس قناع الزوج الحنين الشهم؛ غسل مخي بكلامه المعسول وقعد جنبي يطبطب ويقول: “أنا سدّاد مكان عمي يا حبيبتي، إنتي ملكيش في بهدلة المحاكم والشركات.. سيبيلي ورق شركة المقاولات والفواتير وركزي في حزنك وعبادتك”. وأمه نقلت تعيش معايا في “جناح الضيوف” بحجة إنها بتونسني في وحدتي.. ومخرجتش منها بعدها.
​في غضون شهور، اتقلب الحال.. مبقتش زوجة وصاحبة بيت، بقيت زي الأسيرة اللي بيتحكموا في لقمة عيشها ونفَسها، وبقوا يحطوا لي مهدّئات في العصير عشان أفضل دايماً دايخة ونايمة.
​بس الغافلين ميعرفوش إن ربنا بيبصر المظلوم.. مكنوش يعرفوا إني بطلت المهدئات دي من ست أسابيع كاملة! فقت.. ورجعت لنفسي.
​أنا قبل ما أتجوز كنت محاسبة قانونية شاطرة جداً في كشف النصب والاختلاس، والأرقام دي هي اللغة الوحيدة اللي بعرف أثق فيها لما البشر بيكدبوا ويخونوا الأمانة. وفي الوقت اللي طارق كان فاكرني فيه جثة هامدة، كنت بنبش وراه بالليل وهو نايم. كشفت تحويلات بنكية مشبوهة، وفواتير وهمية لشركات ملهاش وجود، وتزوير لإمضتي وتفويض باسمه بيلغي حقي في إدارة شركة المقاولات. تلاتين مليون جنيه اتسحبوا من ورا ضهري واتحطوا في حسابات أمه كريمة!
​نسخت كل المستندات دي على فلاشة مشفرة.. وركبت الكاميرات في الأوضة وفي الصالة.
​في الليلة دي، طارق حدف عليا العباية وقال لي بقسوة: “غوري انزلي نظفي المكتب اللي تحت، المستثمرين جايين الساعة تمانية الصبح ومش عايز بهدلة وقرف”.
أمه بصتلي ببرود وقالت: “وداري وشك المورم ده وإنتي نازلة، وشك يقطع الخميرة من البيت”.
​قمت ببطء وأنا بمثل إني دايخة ومش قادرة أصلب طولي عشان ميشكوش في حاجة. دخلت الحمام وقفت الباب عليا بالمفتاح، وبسرعة رفعت تسجيل الكاميرا وصور المستندات على سيرفر سحابي مشفر، مفيش حد يقدر يوصل له غيري أنا والأستاذة “نهاد الجيار” محاميتي وأختي اللي لم تلدها أمي.
​لأول مرة من يوم جنازة أبويا، الخوف اتمسح من قلبي وحل محله يقين المظلوم اللي رب العرش وعده بالنصر. كل خطوة وكل نفس كنت باخده كان مدروس.
​فتحت شباك المنور بهدوء.. وخرجت للشارع حافية القدمين في عز طوبة والثلج بياكل في جسمي، بالبيجامة وتحت العباية، جريت تلات شوارع والدموع في عيني لحد ما سواق أتوبيس غلبان وابن حلال وقف لي وصعبت عليه، ركبني معاه ودعيت له من قلبي بستر ربنا، ووصلني لحد باب قسم الشرطة.
​أول ما دخلت القسم، عيني كانت مزغللة، وجسمي بيرتعش من البرد والخوف، ومقدرتش أنطق غير بجملة واحدة لمعاون المباحث قبل ما أقع من طول السلالم:
“جوزي طردني وسرق شقى عمري.. ومعايا الدليل”.
​الدنيا لفت بيا ومحستش بحاجة بعدها.
​فقت وأنا روحي بترد فيا على ريحة المعقمات، لقيت نفسي على سرير مستشفى، وفي إيدي محاليل، وجنبي عسكري شرطة واقف على الباب بيحرس الأوضة، والأستاذة نهاد قاعدة جنبي على الكرسي وماسكة إيدي بتبكي وبتطمنّي: “الحمد لله على سلامتك يا نور، إنتي في أمان وجقك هيرجع.. القانون والشرع معاكي”.
​همست بصوت مبحوح وتعبان: “لا يا نهاد.. لسه الأمان مجاش”.
​نهاد قربت مني وسألتني باهتمام وهي بتبص للساعة وللحرز المقفول اللي فيه الفلاشة والمستندات اللي هربت بيها: “ناوية على إيه؟ الضباط برة مستنيين إشارة منك عشان يروحوا يقبضوا عليه بتهمة التزوير والاعتداء والسرقة بالإكراه”.
​بصيت للفلاشة وأخدت نفس طويل، وابتسامة هادية كلها ثقة في عدالة ربنا رسمت طريقي: “اطلبي من البنك يوقف حسابات الشركة فوراً.. بس بلاش قبض دلوقتي”.
​نهاد عينها وسعت واستغربت: “ليه يا نور؟! ده وقت حسابهم ودخولهم السجن!”
​رجعت راسي على المخدة وغمضت عيني برضا: “لأ.. سيبيهم يفتكروا إنهم كسبوا والجو فضي لهم.. سيبيهم يسرقوا حاجة كمان، عشان لما يقعوا.. يقعوا على جدور رقبتهم ومتقومش لهم قومة تانية”.
مع أول ضوء للنهار، كان طارق عامل بلاغ في القسم إني “متغيبة”.
مش خوف عليا ولا لهفة، لأ.. ده عشان كان في اجتماع مجلس إدارة طارئ للشركة ومحتاجين إمضتي بأي طريقة. راح للشرطة ومثل عليهم دور الزوج المكلوم، وقال لهم إني مريضة نفسياً، ومدمنة مهدئات، وعندي فوبيا وبحب أهرب وأعمل حركات درامية. وأمه الحاجة كريمة من الناحية التانية منزلة بوست على الفيسبوك، فيديو وهي بتبكي بدموع التماسيح وبتدعي لـ “بنتها وحبيبة قلبها نور” إن ربنا يشفيها ويردها لعقلها!
​كانوا فاكرين إن الفضيحة وكسرة النفس والتشهير هما اللي هيرجعوني البيت مكسورة وجرّية ورايا ديلي.
​بس اللي حصل العكس.. أنا دخلت دار استضافة وحماية للمرأة، وبدأت أشتغل مع الأستاذة نهاد، ومعاها رئيس مباحث الأموال العامة، ووكيل النيابة. المستشفى وثق آثار الضرب والإهانة اللي في جسمي؛ والكاميرات المخفية سجلت اللحظة بالصوت والصورة؛ والملفات الحسابية كشفت بلاوي تانية تشيب!
​طارق وأمه مكنوش بس بيسرقوني.. دول كانوا بيستخدموا شركة المقاولات بتاعة أبويا لغسيل أموال قذرة من خلال مقاولين بالباطن وشركات وهمية، ومش بس كده.. دول دفعوا رشوة لمهندس في الحي عشان يوافق على تراخيص ترميم عمارة سكنية قديمة بمواد مغشوشة تكلفتها رخيصة. وفي عمارة منهم سلم السلم بتاعها انهار بالكامل على السكان، وتلات عائلات من الغلابة اتصابوا إصابات خطيرة تحت الأنقاض!
​لما نهاد ورتني صور الحادثة والناس الغلابة في المستشفيات، بطني وجعتني ودموعي نزلت بجد وحسيت بكسرة قلب.
نهاد قالت لي بنبرة حادة: “كانوا عارفين بكل حاجة.. الإيميلات بتثبت إن طارق جاله كذا تحذير رسمي من مهندس الموقع بس طنش عشان القرشين!”
​قفلت الفايل وأنا بمسح دموعي وعيني فيها شرار غضب: “الموضوع ده مابقاش مجرد تصفية حسابات شخصية يا نهاد.. دي أرواح ناس غلابة، وده حق ربنا والناس دي لازم تاخده”.
نهاد طبطبت على كتفي: “وده مابقاش انتقام.. ده بقا القصاص العادل والشرع والقانون”.
​كان لازم نخليهم يحسوا بأمان زايف عشان يتجرأوا ويكشفوا نفسهم، ويظهروا تحكمهم في الحسابات البنكية والشركات الوهمية اللي برا مصر. عشان كده، قدمت لهم الحاجة الوحيدة اللي المغرور بيفتكرها ضعف وقلة حيلة.. قدمت لهم “السكوت”.
​لمدة تسعة أيام كاملة، مظهرتش في أي مكان ولا نطقت بكلمة. طارق اتحرك بأقصى سرعة؛ دعا لمجلس إدارة طارئ عشان ياخدوا قرار بحجر طبي عليا ويسقطوا أهليتي. والحاجة كريمة كانت عازمة المستثمرين ورجال الأعمال في بيتي أنا! بيت أبويا! وهي لابسة عقد الألماظ بتاع أمي الله يرحمها وبتتباهى بيه قدام الناس. كانوا بيجهزوا لبيع الشركة لشركة تطوير عقاري كبيرة اسمها “رواد المشرق” بربع تمنها الحقيقي، مقابل “عمولة استشارية” من تحت الترابيزه قيمتها تمانين مليون جنيه تترحل على حساب سري ليهم في دبي!
​بس البيع ده كان محتاج موافقة وتوقيع نهائي من صاحب أغلبية الأسهم في الشركة.
اللي هي أنا.
​طارق مقدرش يستنى.. وزور إمضتي!
​صورة العقد المزور وصلت لإيميل نهاد عن طريق شخص شريف شغال جوة شركة “رواد المشرق” صعب عليه اللي بيحصل. الإمضاء كانت متقلدة بحرفية شديدة.. تكاد تكون نسخة من خط إيدي.
​وفي نفس اليوم، تليفوني رن من رقم غريب.. كان طارق.
قال لي بنبرة فيها كبر واستعلاء: “تهيأ لي رسالتك وصلت يا نور وعملتي شوشرة ملهاش لازمة.. ارجعي بيتك وامضي على ورق البيع بالذوق، وأنا هقفل المحضر وموش هقول للناس إنك إنتي اللي اتجننتي وحاولتي تضربيني الأول”.
​أنا كنت مسجلة المكالمة دي بالثانية.
رديت عليه بكل هدوء وثبات: “بس إنت خلاص معاك إمضتي يا طارق.. مش كده؟”
​الخط قطع منه ثواني وسكت.. وفجأة سمعت صوت أمه كريمة وراه في الخلفية بتهمس بفزع ووشوشة: “الحق.. دي عرفت باللي عملناه!”
​طارق حاول يلم الموضوع بسرعة وقال بصوت مرتعش: “إنتي بتهلوسي وشكلك لسه دايخة من المهدئات”.
قلت له: “لأ يا طارق، أنا عمري ما كنت فايقة قد النهاردة. أنا محاسبة، والمحاسب مبيعرفش يهلوس.. الأرقام مبتكدبش، وإنت بغبائك سبت وراك خريطة هتوصلك للمكان اللي تستاهله”.
​ضحك بس ضحكته كانت باهتة وميتة من الخوف: “محدش هيصدق واحدة ست مضروبة ومنهارة وبتتعالج، وهيصدقوا رئيس مجلس إدارة الشركة!”
​هنا بالظبط عرفت إنه اختار يحارب الست الغلط.. هو لسه فاكر إن ده مجرد “خلاف زوجي” وست بتتعرض للضرب وبتعيط. مش فاهم إن كل فاتورة مزورة، وكل قرش اتحول، وكل إيميل اتمسح، بقوا سطر في كتاب حسابه.. والحساب لما بيجمع، مبيفرقش معاه مين صوته أعلى!
​وكيل النيابة أجل أمر القبض عليهم لحد “حفلة توقيع العقد وإعلان البيع”.. الحفلة اللي طارق مخطط يعلن فيها البيع قدام الموظفين والمستثمرين والصحافة الكبار. نهاد في الوقت ده كانت مجهزة قرار منع من السفر، وأمر عدم تعرض، وقدمت طلب مستعجل للمحكمة يرجع لي الإدارة والتحكم الكامل في الشركة وصوت التصويت. وحضرة الضابط جهز إذن النيابة لتفتيش البيت، وسيرفرات الشركة، وحسابات كريمة أمه.
​في صباح يوم الحفلة.. الحاجة كريمة بعتت لي على الواتساب صورة لهدومي وهي مرمية على الرصيف برة الفيلا في أكياس زبالة!
ومعاها رسالة بتقول: “دلوقتي بس بقيتي على الحديدة وملكيش لازمة.. اطلعي منها بقا”.
​سيبت الرسالة عندي وعملت لها حفظ بالثانية.
​وبعدها.. لبست تايير أبيض شيك جداً ووقور، مجمعتش أي مكياج يداري أثر الضرب اللي كان بدأ يروح وسبته باين عشان يشهد على قذارتهم.. ومسكت في إيدي “دفتر الحسابات الأصلي” بتاع أبويا الله يرحمه.. ودخلت القاعة بكل هيبة وثقة، والكل وسع لي السكة وأنا ماشية وراسي في السماء.
القاعة كانت زحمة، وصوت المزيكا الهادية مالي المكان. طارق واقف على المنصة لابس بدلة غالية جداً والابتسامة مش مفارقة وشه وهو بيلقي كلمته ترحيباً بممثلي شركة “رواد المشرق” والصحفيين. على التربيزة الرئيسية في الوش، كانت الحاجة كريمة قاعدة وسط سيدات المجتمع، حاطة رجل على رجل وبكل عين قوية لابسة عقد أمي الله يرحمها اللي سرقته من درج تسريحتي.
​فتحت باب القاعة ودخلت. مكنتش ماشية بجري ولا بعمل بروباجندا. خطوت بخطوات واثقة، راسي مرفوعة، والتايير الأبيض مخليني هادية وقوية. أثر الكدمة الخفيف اللي تحت عيني الشمال ملوش أي قيمة قدام الثبات اللي كنت حاسة بيه.
​أول ما عيني جت في عين الحاجة كريمة، ضحكتها اختفت فجأة، ووشها اتخطف وبقت تبرق لطارق على المنصة عشان يلحق. طارق اتلخبط في الكلام وهو بيقرا من الورقة اللي قدامه، وقطع جملته في النص وهو بيبصلي بذهول، كأنه شايف شبح.
​مشيت بكل هدوء لحد التربيزة الرئيسية، وسحبت كرسي وقعدت جنب ممثل شركة “رواد المشرق” والمستشار القانوني بتاعهم.
​طارق نزل من على المنصة بسرعة وهو بيحاول يبتسم للكاميرات عشان ميبينش حاجة، وقرب مني وهمس بغل وهو بيضغط على سنانه: “إيه اللي جابك هنا يا نور؟ اطلعي برة بدل ما أطلب لك الأمن يرميكي في الشارع بتهمة التعدي.”
​بصيت له بمنتهى الهدوء، وطلعت من شنطتي الصيغة التنفيذية لقرار المحكمة المستعجل ودفتري الصغير.
​قلت له بصوت مسموع للناس اللي قاعدة على التربيزة: “الأمن مش هيمشي صاحب الحلال يا طارق.. الأمن بيمشي الحرامي.”
​المستشار القانوني لشركة “رواد المشرق” انتبه ووشه اتقلب: “في إيه يا فندم؟ مين حضرتك؟”
​نهاد المحامية دخلت في اللحظة دي بكل وقار، وحطت قدام المستشار المحفظة القانونية الرسمية: “معاك الأستاذة نهاد الجيار، موكلة الأستاذة نور جلال الدين، صاحبة الـ 60% من أسهم شركة جلال الدين للمقاولات. وبنقدم لسيادتكم إخطار رسمي بوقف أي إجراءات بيع أو تنازل. العقد اللي في إيدكم باطل لأن توقيع موكلتي عليه مزور، وحالاً البنك المركزي أوقف التعامل على حسابات الشركة بناءً على طلبنا بعد إثبات تهمة الاختلاس.”
​المستشار القانوني لشركة الرواد وقف مخضوض وبص لطارق: “الكلام ده صحيح يا باشمهندس طارق؟! إحنا شركة سمعتها في السوق بالمليارات، إزاي تعرض علينا أصول عليها نزاع وقضايا تزوير؟!”
​طارق وشه جاب ألوان وحاول يداري كدبه: “يا فندم متصدقهاش، دي مراتي وتعبانة نفسياً وعندها ملف في المستشفى يثبت عدم أهليتها، الورق ده ملوش أي أساس..”
​هنا أنا اتدخلت، وبكل برود فتحت اللاب توب بتاعي وعرضت قدام المستشار القانوني شاشة الحسابات: “أنا محاسبة قانونية يا فندم.. ودي الأرقام الحقيقية للشركة اللي طارق خباها عنكم. ودي حركة تحويل الـ 30 مليون جنيه لحساب الحاجة كريمة اللي قاعدة هناك دي.. والأسوأ من كل ده، دي المستندات والرشاوى اللي اندفعت لترخيص عمارة (حدائق القبة) اللي سلمها انهار الأسبوع اللي فات على السكان.”
​الصمت حل على التربيزة. المستشار القانوني لشركة الرواد بصلنا وبص لطارق بقرف، ولم ورقه وقال: “الصفقة دي ملغية.. وإحنا هنقاضيك بتهمة النصب ومحاولة توريط شركتنا في غسيل أموال وعقارات مخالفة.”
​في اللحظة دي، الحاجة كريمة وقفت وهي بتصرخ بصوت عالي ضيع كل برستيجها المزيف: “انتي بتخربي بيت جوزك يا فاجرة؟! ده شقانا وشقى ابنـ..”
​مكملتش كلمتها.. لأن حضرة الضابط ومعاه اتنين أمناء شرطة دخلوا القاعة بهدوء من غير شوشرة كبيرة تجنباً للفضايح وسط الناس. الضابط قرب من طارق وقدم له إذن النيابة: “الباشمهندس طارق جلال؟ مطلوب القبض عليك بتهمة التزوير في أوراق رسمية، والاختلاس، وتسهيل الاستيلاء على أموال عامة، والرشوة والتسبب في إصابة مواطنين.”
​وبص للحاجة كريمة: “والحاجة كريمة مطلوب ضبطها وإحضارها بتهمة التستر والاشتراك في غسيل أموال.”
​طارق كان واقف زي الصنم، مبيتحركش وعينيه مليانة انكسار وخوف وهو بيبص للكلابشات وهي بتتقفل في إيده. أمه بدأت تصرخ وتلطم على وشها وتدعي بالخراب، لحد ما أمين الشرطة طلب منها تتحرك بهدوء وورقبتها مكسورة قدام كل الناس اللي كانت بتنافقها من خمس دقائق.
​وهما خارجين، وقفت قدام أمه وبكل هدوء، مديت إيدي وفكيت عقد أمي الله يرحمها من رقبتها.
قلت لها بابتسامة هادية: “المال الحلال مبيضيعش يا حاجة كريمة.. والظلم آخره دايماً سد سد.”
​بعد أسبوعين..
​كنت قاعدة في مكتب أبويا الله يرحمه.. المكتب اللي طارق حاول ينزلني أنظفه كأني غريبة. الشمس كانت داخلة الأوضة دافية وجميلة.
​نهاد دخلت عليا وبشرتني إن المحكمة حكمت بتمكيني الكامل من إدارة الشركة، وإن المصابين في حادثة العمارة أخدوا تعويضات محترمة من أموال طارق المتجمدة، وبدأنا نرمم المباني المخالفة عشان نأمن أرواح الناس. طارق وأمه محبوسين على ذمة القضية، والمحامين بيقولوا إن الحكم عليهم مش هيقل عن 7 سنين سجن مشدد.
​قفلت الدفتر القديم بتاع أبويا، وبصيت للسما وقلت من كل قلبي: “الحمد لله.. يمهل ولا يهمل.”
​عرفت يومها إن ربنا لما بياخد منك ضهر، بيبقى هو ضهرك وسندك.. وإن الضعف ملوش مكان في قلب إنسان متوكل على الحي القيوم.
تمت
عبير سليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *