اختى وامى امانى السيد

أما أنا، فكنت متجوزة راجل اسمه أحمد، والحمد لله حياتنا مستقرة، مش معنى كده إن مافيش مشاكل، لكن كنا بنختلف ونتصالح، وكان أحمد عارف إن أكتر حاجة بتوجعني إني طول عمري حاسة إني أقل من أختي، وعشان كده كان بيحاول دايمًا يحسسني إني كفاية، وإنه اختارني أنا بإرادته. وانا مكنتش بطلب منه حاجه كان كل همى يكبر وينجح وانا اكبر معاه
لحد ما في يوم، كنت عند أمي، وكنت داخلة المطبخ أجيب كوباية مية، سمعت صوتها وهي بتتكلم مع أحمد في الصالة، فوقفت مكاني لما سمعتها بتقول له:
\- إنت ما زهقتش من مرام؟ طلقها واتجوز أختها، شمس أحلى منها وأصغر منها، مش زي مراتك الكئيبة دي!
حسيت إن حد صب عليا مية ساقعة، وفضلت واقفة مكاني مش قادرة أصدق اللي سمعته، ولا قادرة أتحرك خطوة واحدة.
أمي بتعرض على جوزي يطلقنى ويتجوز اختى
كنت مستنية أسمع أحمد وهو بيزعق لها، أو على الأقل يعترض على الكلام اللي بتقوله، لكن اللي خلاني أترعب فعلًا إني ما سمعتش صوته بعدها مباشرة، وفضل فيه صمت لثواني طويلة، ثواني كانت كفاية تخليني أفكر في ألف احتمال.
عملت نفسى ماسمعتش حاجه لحد ماشوف رد فعله ايه بس اللى حصل من اختى وامى يومها كان اكبر صدمه
فقت من الذهول اللي كنت فيه، وضغطت على كوباية المية في إيدي لحد ما إيديا اترعشت. وقفت ورا باب المطبخ الموارَب ببتنفس بصعوبة، ومستنية كلمة واحدة من أحمد، رد فعل، زعيق، أي إشارة تثبت لي إن كل اللي بنيته معاه طوال السنين دي ما يتهدمش في لحظة.
وفجأة، اتكسر الصمت ده بصوت مرام وهي طالعة من أوضتها، صوتها كان فيه نغمة دلع وتكسير كلام أنا حفظاه وعارفاه كويس، نغمة بتستعملها لما تكون عايزة تاخد حاجة مش بتاعتها.
طلعت مرام وهي شايلة طبق فاكهة متقطع ومترتب بشكل يلفت العين، وقربت من أحمد وقعدت قصاده على الكنبة، ودالت عليه بجسمها وهي بتقول بنبرة سهوكة:
* إيه يا أحمد؟ إنت قاعد كده ليه من غير ما تاكل حاجة؟ ده أنا بنفسي اللي نضفت لك الفاكهة دي وقطعتها عشان عارفة إنك بتحب التين والبرقرق.. يلا بقى خد دي من إيدي.
مدت إيدها بالشوكة لحده وهي بتبتسم له ابتسامة فيها إغراء صريح، وعينيها متثبتة في عينيه. أنا كنت شايفة كل ده من فتحة الباب، وجسمي كله بيتكتك من الغيظ والوجع.
أمي ما صدقت لقيت الدعم من مرام، فقامت وقفت واستلمت هي كمان، دخلت المطبخ بسرعة وزقتني من طريقها من غير حتى ما تبص في وشي أو تلاحظ إني واقفة كأني خيال مآتة، وشالت صينية الأكل التقيلة اللي كانت على الترابيزة وطلعت بيها الصالة.
حطت الصينية قدام أحمد على الترابيزة وقعدت جنبه، وبقت تغرف له في طبقه باهتمام وهي بتقول له بصوت دافي مليان حنية مزيفة:
* كُل يا أحمد يا حبيبي، ده أنا عاملة لك الحمام والمحشي اللي بتحبه، مرام هي اللي قالت لي إنك بتحب الأكل ده بالذات ووقفت معايا عشان نعملهولك اليوم ده.. كُل يا بني، إنت راجل شقيان وتعبان وتستاهل حد يدلعك ويريحك، مش حد ينكد عليك ويجيب لك الكآبة أول ما تدخل من الباب!
مرام قامت وقفت جنبه ومالت على كتفه وهي بتقدم له الفوطة وتسند على ضهر الكرسي، وقالت بصوت واطي ومسموع:
* أيوه يا أحمد، بابا الله يرحمه كان دايماً يقول الراجل عايز ست تفرفشه وتملى عليه البيت ضحك وجمال، مش ست شايلة طاجن بَمتها ومقضياها شكوى وطاقة سلبية.. صح ولا أنا غلطانة؟
كانوا الاثنين حاصرينه، أمي من ناحية بتبارك الفكرة وبتحط له الأكل في بؤه، ومرام من الناحية الثانية بتتمايل عليه وبترمغ بعينيها عشان تاخد عقله، وكانوا بيتعاملوا معايا وكأني مش موجودة في البيت أصلًا، أو كأنهم بيمسحوا وجودي من حياته قدام عينيا وهو قاعد في النص ساكت.
في اللحظة دي، عين أحمد اترَفعت فجأة ناحية المطبخ، ولمح طرف طالي وأنا واقفة ورا الباب ودموعي نازلة على وشي من غير صوت…
احمد بصلى وقرب منى ومسك ايدى وباسها وراح وقف عندهم وقالها انا اشتريت الغاليه وعمرى ما ابص على اللى تعرض نفسها مرام عندك خليهالك اللى زى دى لا بتعمر ولا بتنفع لفتح البيت وانا عمرى ما استبدل الغالى بالرخيص وبص للأكل وقالهم
واه على فكره انا مبحبش الحمام يمكن يا مرام كنتى ماشيه مع حد غيرى بيحبه
الكلام نزل عليهم زي الصاعقة، والسكوت المفاجئ اللي حل في الصالة كان أتقل من أي كلام ممكن يتقال. أمي ومرام وشهوم اتخطف، والابتسامة المزيّفة اللي كانت على وش مرام اتجمّدت واتحولت لذهول وصدمة مش قادرة تستوعبها.
أحمد شد على إيدي بصرامة، وكانت مسكته إياها فيها أمان ودفء خلت كل الخوف والشك اللي جوايا يتبخر في ثانية. بصلهم بنظرة ثاقبة مليانة احتقار، وقبل ما حد فيهم يستوعب قنبلة “الحمام” اللي رماها في وش مرام، كمل كلامه بنفس النبرة الهادية القاسية:
* مرام اللي فاكرة إن البيت بيتبنى بالدلع الفارغ والسهوكة، دي آخرها تكون شكل وخلاص، لكن ست بيت تشيل راجل وتصونه في ظهره وفي وش، دي كبيرة عليها أوي.. اللي زيها تطفش الجدع من أول حكّة، وأنا راجل بعرف أفرّق كويس بين الدهب الفالو والدهب الصافي.
مرام وشها جاب ألوان، ولعثمت وهي بتحاول تدافع عن نفسها وصوتها يترعش:
* أنت.. أنت بتقول إيه يا أحمد؟ أنت بتتهمني بإيه؟ أنا بس كنت..
رد عليها أحمد بنظرة استهزاء وقطع كلامها:
* كنتِ إيه يا مرام؟ بلاش تفتحي على نفسك أبواب مقفولة، لأن تصرفاتك وطريقتك دي متطلعش من واحدة تحترم وجود أختها ولا تحترم الراجل اللي واقف قدامها.. وأنتِ يا حمايا -بص لأمي وهي واقفة مذهولة ومبرقة عينيها- بدل ما تعقّلي بنتك وتفهميها إن الجواز أصول وحياء، قاعدة بتعرضيها عليا كأنها بضاعة؟ بقى دي الأم اللي المفروض تخاف على بيوت بناتها؟
أمي اتلجمت، لسانها اتعقد وما عرفتش تنطق بحرف، كانت تبص لأحمد وتبصلي وهي مش مصدقة إن أحمد “الراجل الهادي” يطلع منه كل الرد ده ويفحمهم في بيتها بالمنظر ده.
شدني أحمد ناحية الباب بكرامة، وقبل ما يفتح الباب يخرجني، التفت لهم تاني وقال بكلمة أخيرة هزت أركان الشقة:
* شمس دي هي النعمة اللي ربنا رزقني بيها، والجوهره اللي أنتم ما عرفتوش قيمتها.. ومن النهار ده، بيتي ومشاعري خط أحمر، والباب ده مش هندخله تاني غير لما تعرفوا قيمة الغالية اللي هدرتوا حقها طول عمركم.
خرجنا وسحب الباب وراه، وأنا ماشية جنبه ومسكة إيده، حاسة لأول مرة في حياتي إن ليّ ظهر وسند بجد، وإن سنين القهر والمقارنة اللي عشتها مع أمي وأختي، انتهت في اللحظة اللي أحمد رد لي فيها اعتباري قدامهم




